قراءة في تحولات نسب الخصوبة في العالم

9/10/20261 دقيقة قراءة

a green heart beat on a black background
a green heart beat on a black background

شهدت معدلات الخصوبة العالمية تحولات درامية منذ منتصف القرن الماضي، وإلى يومنا هذا. حيث كان متوسط معدل الخصوبة الكلي "TFR" في العالم يبلغ 4.85 مولوداً لكل امرأة في عام 1950، ثم وصل إلى ذروته التاريخية في عام 1963 بمعدل 5.31، قبل أن يبدأ رحلة هبوط مستمرة ليصل إلى 2.25 مولود في عام 2023. بالنظر أعمق في هذه الأرقام، يظهر تفاوت قاري واضح، إذ حافظت أفريقيا على معدلات مرتفعة رغم تراجعها من 6.52 في عام 1950 إلى 4.07 في عام 2023، بينما انحدرت أوروبا إلى ما دون مستوى الإحلال - والذي يمثل 2.1 - منذ السبعينيات لتسجل 1.40 في عام 2023، ولحقت بها آسيا التي تراجعت من 5.69 إلى 1.88 خلال الفترة نفسها.

ويعتمد فهم هذه المسارات على نموذج التحول الديموغرافي "DTM" الذي يقسم تطور السكان إلى خمس مراحل أساسية؛ تبدأ بالمرحلة الأولى ذات المعدلات المرتفعة للمواليد والوفيات، ثم المرحلة الثانية التي تشهد انفجاراً سكانياً نتيجة انخفاض الوفيات وبقاء نسبة المواليد مرتفعة. أما المرحلة الثالثة، والتي يمر بها أكثر من 70% من سكان العالم اليوم، فتمثل نقطة التحول حيث تبدأ معدلات المواليد بالانخفاض الملحوظ وتباطؤ النمو السكاني. تلي ذلك المرحلة الرابعة حيث يستقر النمو عند مستويات منخفضة، وصولاً إلى المرحلة الخامسة التي تتسم بالانكماش السكاني الطبيعي نتيجة بقاء الخصوبة دون مستوى الإحلال لفترات طويلة. وتأتي هذه المسارات كمحاولة لفهم التغيرات في نسبة الخصوبة وعلاقتها بالسياقات التاريخية، ومن ثم توقع مستقبل التحولات الديمغرافية في العالم.

وتكشف القراءة التحليلية لنسب الخصوبة عبر السياق التاريخي عن مدى تأثير الأحداث العالمية في النمو السكاني، إذ يمكننا أن نستنتج أن العالم كان يعيش في المرحلة الأولى من نموذج التحول الديمغرافي ما قبل سياق التطور الصناعي. ومع تطور التكنولوجيا دخل العالم في المرحلة الثانية بسبب التحسن المستمر في التقنيات الصحية. غير أن هذا الارتفاع في معدلات الخصوبة شهد اضطرابا، إذ حدت الحربان العالميتان وتيرة ذاك الارتفاع بشكل طفيف، ليعود بعدهما إلى سابق عهده. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، شهدت دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا والسويد "طفرة مواليد" هائلة نتيجة الاستقرار العسكري والنمو الاقتصادي؛ حيث بلغت النسبة في أميركا الشمالية 3.76 بين عامي 1958 و1959، أما السويد فقد بلغت ذروتها في أربعينات القرن الماضي لتصل حدود 20 مولودا لكل 1000 نسمة.

وفي المقابل، أدت أزمات اقتصادية مثل "الكساد الكبير" في الثلاثينيات إلى انخفاض حاد في معدلات المواليد في الدول الغربية، يمكن أن يعود ذلك إلى الخوف من الفقر والمجاعة. أما المرحلة الثالثة، فترتبط بفترة سقوط الشيوعية في نهاية القرن العشرين التي شهدت تراجع نسب الخصوبة في أوروبا الشرقية، وصولا إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008 التي شهدت موجة انخفاض جديدة في جنوب أوروبا. وتعود الأسباب الرئيسية لهذه التحولات إلى التحضر السريع وزيادة الاقبال على التعليم الذي ساهم بدوره في تغير القيمة الاقتصادية للأطفال من "أصول" عمالية أو فلاحية، ليصبحوا آباء موظفين أو مهنيين.

ومؤخراً، أدت جائحة كوفيد-19 إلى اضطراب غير ملحوظ في معدلات الخصوبة، أذ توقع الكثير أن العالم إما سيعيش حالة جديدة من طفرة المواليد، وإما انزلاقا سريعا من المرحلة الرابعة نحو مرحلة الانكماش السكاني ،إلا أن العالم شهد انخافضا طفيفا في معدلات الولادة في العديد من بقاع العالم مع ارتفاع ملحوظ في بعض بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. بعد الجائحة، دخلت بعض الدول المتقدمة في المرحلة الخامسة التي تتميزت بتراجع سكاني طبيعي نتيجة بقاء الخصوبة دون مستوى الإحلال لفترات طويلة. لا يمكن أن يعتبر هذا التراجع إنحدارا طبيعيا وحتمية ديمغرافية، بل هو انعكاس لزيادة التكلفة ولاستراتجيات استثمار الأسر في الطفل الواحد؛ إذ أن ارتفاع التكلفة المعيشية في العالم نتيجة العديد من الاضطرابات الاقتصادية، ما إنعكس على اتخاذ العديد من الآباء لاستراتيجيات الحد من عدد الأطفال واستثمار الجهد في تربية مولود واحد.

وتفتح هذه الأرقام باب التأويلات حول مستقبل المجتمعات البشرية؛ إذ تشير التوقعات إلى أن سكان العالم سيصلون إلى ذروتهم عند 10.4 مليار نسمة في ثمانينيات القرن الحالي قبل أن يدخل مرحلة الانكماش. إن الخصوبة اليوم لم تعد مجرد فعل بيولوجي، بل أصبحت موقعاً لـ "الحوكمة الإنجابية" التي تستخدمها الدول لتوجيه مسار التنمية؛ فبينما تحاول دول مثل الصين عكس سياسات الحد من النسل لمواجهة شيخوخة السكان، تبرز إشكالية الخصوبة الطبقية؛ حيث يُدعم إنجاب فئات معينة عبر تقنيات المساعدة على الإنجاب بينما يُهمش آخرون. وفي هذا السياق، تبرز أهمية مشروع "الخصوبة والايمان والعائلة" في تحليل كيفية تقاطع القيم الثقافية مع هذه الأرقام الجامدة، لفهم كيف تتفاوض العائلات المعاصرة حول قرارات الإنجاب وسط ضغوط "عدم اليقين" الاقتصادي والتغير المناخي الذي بات يهدد مستقبل الأجيال القادمة.

تواصل معنا

مشروع الخصوبة، والإيمان، والأسرة: تتبّع اتجاهات حفظ الخصوبة وتجاربها وتحدياتها في قطر – تدخّل سوسيولوجي شامل هو مشروع مموّل من مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار (ARG02-0409-240161)، ويستضيفه معهد الدوحة للدراسات العليا.

معهد الدوحة للدراسات العليا
ش
ارع الطرفة ، منطقة 70

صندوق بريد 200592
الدوحة قطر

© 2025. All rights reserved.

إنضم الى قائمتنا البريدية